ابن قتيبة الدينوري

428

الشعر والشعراء

رأيت ابنة الضّمرىّ عزّة أصبحت * كمحتطب ما يلق باللَّيل يحطب وكانت تمنّينا وتزعم أنّها * كبيض الأنوق في الصّفا المتنصّب ( 1 ) ثم قال كثيّر لجميل : متى عهدك ببثينة ؟ قال في أوّل الصيّف وقعة سحابة بأسفل وادى الدّوم ، فخرجت ومعها جارية لها تغسل ثوبا ، فلمّا رأتني أنكرتني ، فضربت بيدها إلى ثوب في الماء فالتحفت به . وعرفتني الجارية ، فعادت فطرحته في الماء ، وتحادثنا حتّى غابت الشمس ، فسألتها الموعد فقالت : أهلها سائرون ، ولم ألقها بعد ، ولم أجد أحدا آمنه أرسله إليها ، فقال كثيّر : هل لك أن آتى الحىّ فأقرع ببيت من شعر أو تخلو فأكلَّمها ؟ قال : نعم ، فخرج كثيّر حتى أناخ بهم ، فقالوا : يا كثيّر حدّثنا كيف قلت لزوج عزّة حين أمرها أن تسبّك ؟ قال كثيّر : خرجا يرميان الجمار ، فوجدانى قد أعصب الناس بي ( 2 ) ، فطالعنى زوجها ، فسمعني أنشد : خليلي هذا ربع عزّة فاعقلا * فلوصيكما ثمّ ابكيا حيث حلَّت ( 3 ) فغار ، فقال لعزّة : لتغضبنّه أو لأطلَّقنّك ، فقالت : المنشد يعضّ بكذا وكذا من أمّه ، مكرهة ، فقلت : هنيئا مريئا غير داء مخامر * لعزّة من أعراضنا ما استحلَّت ( 4 ) فقالت بثينة : أحسنت والله يا كثيّر ، قال كثيّر : وأبيات قلتها لعزّة ( 5 ) :

--> ( 1 ) الأنوق ، بفتح الهمزة وضم النون : الرخمة ، وفى المثل « أعز من بيض الأنوق » لأنها تحرزه فلا يكاد يظفر به ، لأن أوكارها في رؤوس الجبال والأماكن الصعبة البعيدة . الصفا : العريض من الحجارة الأملس ، جمع صفاة . ( 2 ) أعصب الناس بي : يريد أنهم اجتمعوا حوله . ولكن الفعل الرباعي من هذا لم يذكر في المعاجم ، والذي فيها « عصب الناس به » من باب « سمع » و « ضرب » . ( 3 ) ستأتي القصيدة 327 ل . ( 4 ) داء مخامر : مخالط جوفه . ( 5 ) مضت الأبيات برواية أخرى 402 .